ابو العزائم

بُعدٌ .. و ..مسَافَة

مصطفى ابوالعزائم

نتباكى على الموارد الطبيعية والزراعية التي تذخر بها بلادنا ، ونتّهم كُل من جاء إلينا من خارج الحدود يحمل الفكرة والمال والدراسات والخطط لإستثمار ناجح ، بأنه إنما جاء لسرقة ثرواتنا ، وهي ثروات مًهْملة ، إما بسبب الكيد السّياسي أو حرب المصالح أو الطمع .

بالله عليكم تعالوا لنعيد فتح هذا الملف الكبير الخطير ، ملف الإستثمار ، ونرى ما فعلته أيدينا بثروات كان يمكن أن تخرجنا وتخرج بلادنا من هُوّة الفقر ، إلى فضاءات الرخاء والإستقرار والعيش الكريم ، ولنا في مشروع أبونعامة الذي تم الإتفاق على قيامه خلال فترة حكم الرئيس الراحل جعفر نميري _ رحمه الله _ مثالاً و نموذجاً ، فقد راح إدراج الرياح وتوزّعت مساحاته وتفرّقت بين المناطق ، إلى إن جاءت مجموعة شركات معاوية البرير للإستثمار في ما تبقى منه ، وإتّبعت الطرق الرسمية وأدخلت مئات الملايين من الدولارات في الأرض إستصلاحاً وفلاحةً وآليات ضخمة ، فماذا كانت النتيجة ؟ هجوم ليلي غادر على المخازن والهناقر والآليات وإحراق تام ، للأسباب التي لا تخرج عن أن المشروع لا يخدم المنطقة ، أو أنه قائم على حيازات الغير أو أو أو .
نموذج ثاني هو مشروع أو استثمارات الراجحي في السُّودان التي هي مشروعات وقفية ، عملت على إستصلاح أراضٍ بور ، وتشغيل عشرات المئات من العاملين في المزارع والمصانع ، والنتيجة كانت هي الهجوم على المشروع وصاحبه واتهامات بسرقة ثروات البلاد .
نماذج أخرى في جنوب كردفان أدت إلى إغلاق مصافٍ ومصانع للذهب ، أفقدت الولاية موارد مالية وأفقدتها وظائف في المناجم المصانع ، لتتعطل استثمارات شركات كثيرة هناك مع توقف كثير من المشروعات الزراعية والمحالج في سابق الأيام والعهود .
حتى المركز وعواصم الولايات لم يسلم أيٍ منهم من تعطيل الإستثمارات ، وكأنما هناك تغييب متعمّد لميزان الفوائد في عقول جماعات تحركها دوافع سياسية أو مصالح خاصة أو جهل بمعنى الإستثمار .
الإستثمارات مطلوبة في أي وقت ، وليس للمال جنسٌ أو عقيدة ، وما إستثمارات رجل الأعمال التركي اوكتاي شعبان وغيره من كبار المستثمرين الأجانب والعرب إلا نماذج لما ذهبنا إليه ، حتى إن هناك اتهامات طالت المستثمر التركي بأنه وراء إظلام بعض الولايات بعد أن توقف عن تشغيل محطات التوليد في المدن والأرياف البعيدة عن الشبكة القومية أو دخلتها في حدود ضيقة لا تكفي حاجة الاستهلاك ، والسبب قطعاً ليس أوكاتي شعبان ، فقد دخل الرجل ضامناً للحكومة السُّودانيّة أمام الشركات التركية وسدّد مستحقاتها المطلوبة وتقاعست الحكومة عن السداد ، فأوقفت تلك الشركات إنتاج الكهرباء ، ومع إعتراف الحكومة بالعجز عن السداد إلا أن الناقمين والناقدين حمّلوا اوكتاي مسؤولية ما جرى وهو الذي تحمّل سداد أكثر من عشرين مليون دولار للشركات نيابة عن الحكومة ، وهو المساهم في عدد من المصانع والشركات الضخمة في مجال صناعات الغزل والنسيج والمصنوعات الجلدية وغيرها ، ومع ذلك لا ينال هو وغيره من المستثمرين إلا الهجوم اللاذع والمستمر من الناشطين من غير أهل الإختصاص الذين يخوضون في شأن لا يخوض فيه إلا خبير وعارف ومختص .
الدول الحديثة تنهض بالإستثمارات في كافة المجالات ، وتنهض بالسياحة والصناعة والزراعة وتنمية الموارد الطبيعية والزراعية والبشرية ، وهو ليس بالأمر العسير ، نحتاج الآن وبأعجل ما يكون لتذليل المصاعب التي تواجه للمستثمر المحليين والأجانب ، ونحتاج إلى إعادة صياغة القوانين الخاصّة بالإستثمار والفصل ما بين إختصاصات المركز والولايات .. دعونا نتقدّم خطوة حتى تنفتح لنا أبواب المستقبل .. نحن إلى زوال لكن الوطن سيبقى دائماً للأجيال القادمة .