نزل البوم على نعيق الغراب.. يزوي انفه الكريه بين عرصات بابل بمتحف بغداد العتيق..ويصفق الغراب بجناحيه داخل دجلة وماء الفرات يخالط الحبر من بقايا المكتبة اليتيمة وحوافر خيول التتار..
يمل بردى التصفيق فيسكت احمد شوقي عن الوصف والجمال.. ويدوي المدفع وترتفع النيران والدخان يتلوى من فوق منارات دمشق والمسجد الاموي الشريف..
تبكي الجدران والحواري والدروب .. تبكي الاعناب والزيتون وتملأ اقداح النبيذ دما وقيحا واوجاعا وسموم… يلحق بها النيل يلفظ مهره الاسطورة العروس… وتنكفي الاشجار والنخيل على ضفتيه والشراع والمجداف المكسور.. وتساق الربيبة ويضيع صوتها وسط ضجيج القاهرة والاسواق وقهقهة الرئيس وضرب احذية الجند في موكب السيد الجديد وساريات الشرطة والحرس الجديد… وهناك في الجنوب هل بقي منه شيء… غير اعقاب السجائر وبعض أغراض الصبية على شارع النيل تسحن لبا او حبيبات الفول… تهرس تدوس معالم تاريخ ذاك الشارع ذاك النيل … الذي سارت به مواكب علي عبد اللطيف وعبد الفضيل الماظ وبعيد الكلية الجامعة العتيقة الخرطوم يذكر النصب كيف مات .. ويتبرأ عنه وثورته نفر من القيادات التي صنعها الانجليز …ويقولون في مذكرة للحاكم العام… ثورة قائدها علي عبد اللطيف غير جديرة بالاحترام… يضحك النهر بعد ان شهد نفس الرجال وقولهم في العام 1924 يسيرون امام موكب الاحتفال بالاستقلال لانزال علم الاستعمار الانجليز … يقهقه النهر ويقول هؤلاء رجال الاستقلال …
تحار الانهار الثلاثة ويهتز نخيلها ويقول … صفقي اوراقا واعرافا واكمام … تحدثي وليخرس الانسان… ان حجارة الارض اليوم تتكلم…
ان خصب الانهار يتكلم…
ان الموج يتكلم…
ان الجبال تقول…
وصادقة تقول…
ان الانسان ما زال يقتل اخيه الانسان…
يقتل فيه العقل… الفكر … الانسانية…
يقتل الصدق… فيضحى الانسان اسير ظنونه ومخاوفه وحيوانيته شهوته والاسقام…
فلتبكي المزن دما..
ولتجري الانهار ملحا…
ولتغور الابار…
وترتفع الرحمة والعلم..
وليحكم الجهلاء …
ويمجد الكذاب … ويقلدوا قانون المستعمر القديم الجديد…
وليكتبوا مذكرة ويعتذرون …
ثورة قائدها ابن الوطن غير جديرة بالاحترام